الغزالي

86

إحياء علوم الدين

وينفق على هؤلاء وهؤلاء فأكل طعامه حلال أو حرام أو شبهة ؟ فقلت إن هذا يلتفت إلى سبعة أصول الأصل الأول : أن الطعام الذي يقدم إليهم في الغالب يشتريه بالمعاطاة . والذي اخترناه صحة المعاطاة ، لا سيما في الأطعمة والمستحقرات ، فليس في هذا إلا شبهة الخلاف الأصل الثاني : أن ينظر أن الخادم هل يشتريه بعين المال الحرام أو في الذمة فإن اشتراه بعين المال الحرام فهو حرام . وإن لم يعرف فالغالب أنه يشترى في الذمة . ويجوز الأخذ بالغالب ولا ينشأ من هذا تحريم بل شبهة احتمال بعيد ، وهو شراؤه بعين مال حرام الأصل الثالث : أنه من أين يشتريه ، فإن اشترى ممن أكثر ماله حرام لم يجز . وإن كان أقل ماله ففيه نظر قد سبق . وإذا لم يعرف جاز له الأخذ بأنه يشتريه ممن ماله حلال ، أو ممن لا يدرى المشتري حاله بيقين كالمجهول . وقد سبق جواز الشراء من المجهول ، لأن ذلك هو الغالب . فلا ينشأ من هذا تحريم بل شبهة احتمال الأصل الرابع : أن يشتريه لنفسه أو للقوم . فإن المتولي والخادم كالنائب . وله أن يشترى له ولنفسه . ولكن يكون ذلك بالنية أو صريح اللفظ وإذا كان الشراء يجرى بالمعاطاة فلا يجرى اللفظ . والغالب أنه لا ينوى عند المعاطاة . والقصاب والخباز ومن يعامله يعول عليه ، ويقصد البيع منه ، لا ممن لا يحضرون ، فيقع عن جهته ، ويدخل في ملكه . وهذا الأصل ليس فيه تحريم ولا شبهة . ولكن يثبت أنهم يأكلون من ملك الخادم الأصل الخامس : أن الخادم يقدم الطعام إليهم ، فلا يمكن أن يجعل ضيافة وهدية بغير عوض ، فإنه لا يرضى بذلك . وإنما يقدم اعتمادا على عوضه من الوقف . فهو معاوضة . ولكن ليس بيع ولا إقراض . لأنه لو انتهض لمطالبتهم بالثمن استبعد ذلك . وقرينة الحال لا تدل عليه . فأشبه أصل ينزل عليه هذه الحالة الهبة بشرط الثواب . أعنى هدية لا لفظ فيها من شخص تقتضي قرينة حاله أنه يطمع في ثواب . وذلك صحيح . والثواب لازم وهاهنا ما طمع الخادم في أن يأخذ ثوابا فيما قدمه إلا حقهم من الوقف ، ليقضي به دينه من الخباز والقصاب والبقال . فهذا ليس فيه شبهة . إذ لا يشترط لفظ في الهدية ولا في تقديم الطعام وإن كان مع انتظار الثواب . ولا مبالاة بقول من لا يصحح هدية في انتظار ثواب